السبت, 24 حزيران/يونيو 2017
Blue Red Green

  • أخبار سريعة
أخبار قانونية: رئيس القضاء يصدر قرارا بتخفيض رسوم تسجيلات الاراضي - الجمعة, 20 شباط/فبراير 2015 08:36
أخبار قانونية: البشير يطلع على أداء السلطة القضائية - الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015 20:20
أخبار قانونية: رئيس القضاء يوجه بالاهتمام بقضايا المال العام - الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015 20:15
الرئيسية أعمدة قانونية آراء قانونية جريمة الاتجار بالبشر Trafficking

جريمة الاتجار بالبشر Trafficking

 

الدكتور/ عبد القادر ورسمه غالب.

 تدور أحاديث كثيرة في معظم الدول عن جريمة الاتجار بالبشر التي بدأت تأخذ أبعادا واضحة وتزايدا مستمرا. و لهذه الجريمة العديد من الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأبشع ما فيها انعدام الجانب الإنساني لأن مرتكبها يتناسى أنه يتعامل مع بشر مثله... وينطبق عليهم "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وكما يتبين فهناك مؤشرات علي انتشار هذه الجريمة، ولا بد من هبة قوية لمحاربتها لانعكاساتها الضارة علي كل المجتمع.

 الاتجار بالبشر يعتبر ثالث أكبر تجارة "غير مشروعة" في العالم و ذلك بعد تجارة بيع السلاح المهرب وبيع المخدرات بكافة أنواعها. ولقد تبين من الدراسات الأمنية والقانونية الحديثة أن أنشطة "جريمة الاتجار بالبشر" تزدهر لأنها تحقق أرباحا بالمليارات حيث يتم نقل ملايين البشر عبر الحدود الدولية سنويا للاتجار بهم كسلع رخيصة، أو يتم استغلال الضعفاء محليا داخل حدود بلدهم. و تقارير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، المكتب المعني بالبرنامج العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، أكدت عالمية هذه الظاهرة وأشارت إلي أن ملايين الأشخاص يتم المتاجرة بهم وما ينتج من أرباح غير شرعية من ارتكاب هذه الجريمة يقدر بالمليارات من الدولارات. وهذه وصمة عار في وجه الجميع...

لقد حرصت كل الدول، بما فيها مملكة البحرين، علي إصدار ضوابط وقوانين خاصة لمكافحة الاتجار بالبشر، و تم تعريف جريمة الاتجار بالأشخاص "... يقصد بالاتجار بالأشخاص، تجنيد شخص أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله بغرض إساءة الاستغلال، و ذلك عن طريق الإكراه أو التهديد أو الحيلة أو باستغلال الوظيفة أو النفوذ أو إساءة استعمال سلطة ما علي ذلك الشخص أو بأي وسيلة أخري غير مشروعة سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. و يشمل إساءة الاستغلال، استغلال ذلك الشخص في الدعارة أو في أي شكل من أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي، أو العمل أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء........"الخ.

ولا شك أن من يتم المتاجرة بهم هم، وبكل أسف، من الفئات الأكثر ضعفا من فئات المجتمع و هم غالبا من النساء أو الأطفال و كذلك من عديمي التعليم أو الخبرة . وتمثل النساء النسبة الأكبر من ضحايا الاتجار بالبشر عبر الحدود والأغلبية تتم المتاجرة بهم للأغراض الجنسية لممارسة الدعارة بالقسر والرق الأبيض أو الإجبار على الخدمة في المنازل والعمل بأجور زهيدة وفي ظروف عمل مجحفة وغير إنسانية بل ضد أبسط معايير حقوق الإنسان الذي كرمه "الخالق العظيم"......

بالطبع هناك أسبابا عديدة لانتشار ظاهرة الاتجار بالبشر نذكر منها مثلا الفقر والعوز والجهل والسعي للحصول علي مستوى معيشي أفضل في مكان آخر، هذا بالإضافة إلي ما يعيشه العالم من كساد عام ، مع وجود العنف والتمييز ضد المرأة و الأطفال وقبل كل هذا انتشار الفساد في بعض الحكومات والدوائر، وانتشار الجهل وضعف التشريعات القانونية ، وعدم كفاءة الأجهزة المعنية بمكافحة الجريمة والوقاية منها....

و من هذا تظهر الآثار السلبية بسبب انتشار جريمة الاتجار بالبشر التي تمثل انتهاكا واضحا لحقوق الإنسان في الحياة والعمل والحرية والتحرير من العبودية بجميع أشكالها. و من آثار الاتجار بالبشر أنه يؤدي للتفكك الاجتماعي الذي يظهر بسبب نزع الأطفال من أسرهم وأقاربهم ومنعهم من التعليم و النمو الطبيعي والأخلاقي ، والاتجار بالبشر يحرم الدول من القوي البشرية خاصة فئة الشباب القادرة علي العمل في الأعمال الشاقة التي تحتاج للقوة البدنية ، هذا إضافة للإضرار بالصحة العامة و ما يحدث من صدمات نفسية و أمراض جسدية و جنسية يصعب تجاوزها، ولا ننسي الأثر علي الاقتصاد القومي عن طريق دخول أموال غير مشروعة بسبب ارتكاب عدة جرائم منها جريمة غسل الأموال و جرائم الإرهاب الضارة بالاقتصاد الوطني مع الإضرار بسوق العمالة و ظروف العمل.

كل هذه الآثار، و غيرها، تتطلب جهودا لمحاربة الاتجار بالبشر و لقد أدركت معظم الدول خطورة آثار هذه الجريمة علي المستويين الدولي والمحلي. و لذا تم إصدار القوانين الرادعة للاتجار بالبشر. كما تم اتخاذ العديد من الخطوات الدولية لمكافحة هذه الظاهرة عبر العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المعنية و منها علي سبيل المثال "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة" والبرتوكولين المكملين لها بما في ذلك "برتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص" وبخاصة النساء والأطفال... والهدف من ذلك العمل كمنظومة متكاملة للحماية من العنف والانتهاكات والسعي الدائم للتعاون مع الآليات الدولية المستقلة المعنية بالاتجار بالبشر، بما في ذلك مقرر الأمم المتحدة المعني بالاتجار بالبشر وأعماله المستمرة لمكافحة الاتجار بالبشر وإنهاء جميع أشكال الإساءة لحقوق الأفراد وبصفة خاصة حقوق العمالة الوافدة وفقا لأهداف التشريعات الوطنية والمعاهدات الدولية.

وهناك اتفاقيات دولية هامة، في هذا الخصوص، نذكر منها مثلا الإعلان والميثاق العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية، والاتفاقية الخاصة بالرق، واتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير، الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف  والممارسات الشبيهة بالرق... الخ.

وهناك حقائق دامغة توضح خطورة الموقف، وهذه الحقائق لا يمكن تجاوزها بل يجب أخذها في الحسبان مثل تقارير منظمات العمل الدولية التي تشير إلى أن هناك أكثر من (12) مليون شخص يقعون ضحايا للعمالة القسرية أو السخرة سواء كانت باجر أو بدون أجر. وتقارير منظمة اليونيسيف الدولية التي تشير إلى أن الملايين من الأطفال من الجنسين يجبرون علي امتهان وممارسة البغاء سنويا وهناك أعدادا متزايدة من النساء يتم إغراؤهن يوميا للدخول في عالم الجنس السياحي خاصة في البلدان الفقيرة. وتشير التقارير أيضا  للعديد من المشاريع التي تتصل، وبشكل وثيق جدا، بجرائم الاتجار بالبشر مثل عمليات غسل الأموال وجرائم الإرهاب وتهريب المخدرات وتهريب البشر والمتاجرة بالأعضاء...

ووفقا لما سبق عرضه تتضح خطورة آثار وانعكاسات "جريمة الاتجار بالبشر" والتي أضحت من التحديات الكبرى التي تواجه المجتمعات المعاصرة، وهذه الجرائم السوداء آخذة في النمو علي نطاق العالم و تشكل وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء. وكيف يدعي البعض أننا نعيش في عالم متقدم ومتحضر، بينما تزدهر هذه الجريمة البشعة التي تحتقر الإنسان وتزدريه ، بل وتتعامل معه كسلعة رخيصة...

وعلينا في مملكة البحرين التعامل مع هذه الجريمة ومن يمارسها بكل قوة وحزم وعلينا الوقوف بكل جدية لمنع الجريمة والسيطرة علي آثارها، وعلينا الاستفادة من التجارب العالمية مع الحرص علي إجازة واعتماد وتطبيق كل المعاهدات والمواثيق الدولية المعنية، و في نفس الوقت، يجب الحرص الدائم علي إصدار التشريعات القانونية الملائمة والمتطورة وإصدار الأحكام القضائية وتطبيقها مع توفير كل التجهيزات الإدارية اللازمة والمقتدرة لتنفيذ القانون ليتم التصدي المهني القانوني لهذه الجريمة المنافية لأبسط القيم الإنسانية والمعتقدات الدينية... وكل هذا في الإمكان إذا توفرت لدينا العزيمة والإرادة.

 

الدكتور/ عبد القادر ورسمه غالب.

المستشار القانوني ورئيس دائرة الشؤون القانونية لمجموعة بنك البحرين والكويت

وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Twitter:@1awg

   

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

  إشترك في القائمة البريدية

  إبحث في الموقع